سيد محمد طنطاوي
139
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الطاعات ، واجتناب المعاصي ، مأخوذة من وسل إلى كذا ، أي . تقرب إليه بشيء . وقيل : الوسيلة الحاجة . قال الراغب : الوسيلة : التوصل إلى الشيء برغبة ، وهي أخص من الوصيلة ، لتضمنها معنى الرغبة ، وحقيقة الوسيلة إلى اللَّه مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحرى مكارم الشريعة ، وهي كالقربة . والواسل : الراغب إلى اللَّه - تعالى . . . « 1 » . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالحق الذي جاء به محمد صلى اللَّه عليه وسلم * ( اتَّقُوا اللَّه ) * أي : خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه * ( وابْتَغُوا إِلَيْه الْوَسِيلَةَ ) * : أي : اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إليه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات ، والتزود من الأعمال الصالحات ، واجتناب المعاصي والمنكرات . * ( وجاهِدُوا فِي سَبِيلِه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * أي : وجاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء ، وكذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة اللَّه هي العليا ، رجاء أن تفوزوا بالفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة . وقد ناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة وإخلاص . وقوله : * ( إِلَيْه ) * متعلق بالفعل قبله وهو * ( وابْتَغُوا ) * . أو بلفظ * ( الْوَسِيلَةَ ) * لأنها بمعنى المتوسل به ، وقدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص . أي . اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى اللَّه من الأعمال الصالحة ، ولا تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه - سبحانه - . أو : اطلبوا متوجهين إليه - سبحانه - حاجتكم ، فإن بيده مقاليد السماوات والأرض ، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره . وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات في الجنة ، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى ، وهو التقرب إلى اللَّه والتوسل إليه وحده بالطاعات ، لأن من يفعل ذلك ينال من اللَّه - تعالى - أسمى الدرجات . وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى فقال ما ملخصه : والوسيلة : القربة . كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وغير واحد . قال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه . والوسيلة أيضا : علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وداره في الجنة ،
--> ( 1 ) المرادات في غريب القرآن ص 523 .