سيد محمد طنطاوي
137
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال الآلوسي : قوله : * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) * استثناء مخصوص بما هو من حقوق اللَّه - تعالى - كما ينبئ عنه قوله * ( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . وأما ما هو من حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدا ، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا فإنهم إن شاؤوا عفوا ، وإن أحبوا استوفوا » « 1 » . ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود . فقد قال ابن جرير - بعد أن ساق الأقوال في ذلك - : « وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي ، قول من قال : توبة المحارب الممتنع بنفسه ، أو بجماعة معه ، قبل القدرة عليه ، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته ، من حدود اللَّه ، وغرم لازم ، وقود وقصاص ، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله » « 2 » . وقال ابن كثير : وقوله - تعالى - * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) * أما على قول من قال إنها في أهل الشرك ، فظاهر . - أي : فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة - : وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل . وهل يسقط قطع اليد ؟ فيه قولان للعلماء . وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة . ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها : ما رواه ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة - وكان قد أفسد في الأرض وحارب - فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه . فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين : أرأيت من حارب اللَّه ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) * فقال على : اكتب له أمانا . . » « 3 » . وبعد ، فهذه بعض الأحكام التي تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم اللَّه - تعالى - محاربين للَّه ولرسوله ، وسمى الفقهاء عملهم حرابة . وقد رأينا أن اللَّه - تعالى - قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة في الدنيا . وأعد لهم العذاب
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 120 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 225 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 52 .