سيد محمد طنطاوي

127

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الأرض يوجب إهدار الدم - كالردة وزنا المحصن - * ( فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) * لأن الذي يقتل نفسا بغير حق ، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإسلام بشرائعه وأحكامه ، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة ، فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا ، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله . * ( ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) * أي : ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها ، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد ، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق ، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا . وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء ، وحفظ النفوس من العدوان عليها ، حيث شبه - سبحانه - قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا ، وإحياءها بإحياء الناس جميعا . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع ، وجعل حكمه كحكمهم ؟ قلت : لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على اللَّه ، وثبوت الحرمة . فإذا قتل فقد أهين ما كرم على اللَّه وهتكت حرمته ، وعلى العكس . فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك . فإن قلت : فما الفائدة في ذكر ذلك ؟ قلت : تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها ، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها ، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا ، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذي أراد إحياءها « 1 » » . وقال الإمام ابن كثير : قال الحسن وقتادة في قوله - تعالى - * ( أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْساً ) * . . إلخ . هذا تعظيم لتعاطى القتل . قال قتادة : عظيم واللَّه وزرها ، وعظيم واللَّه أجرها . وقيل للحسن : هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل ؟ فقال : إي والذي لا إله غيره - هي لنا - كما كانت لهم . وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا « 2 » . وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله * ( أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْساً ) * : العموم أي : نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان . وبعضهم يرى أن المراد نفس الإمام العادل ، لأن القتل في هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة ، وإشاعة الفتنة فيها . قال القرطبي : روى عن ابن عباس أنه قال : المعنى :

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 617 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 351 .