سيد محمد طنطاوي
128
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره ، فكأنما أحيا الناس جميعا » « 1 » . ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى ، لأنه هو الذي عليه جمهور العلماء ، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإنسانية ، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام . وقوله . * ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) * متعلق بالفعل قبله وهو ( قتل ) . وقوله * ( أَوْ فَسادٍ ) * مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافه غير إليها . و « ما » في قوله * ( فَكَأَنَّما ) * كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها . وقوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) * بيان لموقف بني إسرائيل القبيح مما جاءهم من هدايات على أيدي أنبيائهم ومرشديهم . أي : ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل بالآيات البينات ، والمعجزات الواضحات ، * ( ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ ) * أي : بعد الذي كتبناه عليهم من شرائع ، وبعد مجيء الرسل إليهم بالبينات * ( فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) * أي : لمجاوزون الحد في ارتكاب المعاصي والآثام ، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما . وأكد - سبحانه - جملة * ( ولَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا ) * بالقسم ، لكمال العناية بمضمونها ، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام - ما قصروا في إرشاد بني إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم ، فقد جاؤهم بالشرائع البينة الواضحة التي تحمل في نفسها دليل صلاحها . والتعبير « بجاءتهم » يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا إليهم ، وصاروا قريبين منهم ، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمرا يهمهم إلا بينوه لهم . وجملة * ( ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ) * معطوفة على جملة * ( ولَقَدْ جاءَتْهُمْ ) * . وكان العطف « بثم » المفيدة هنا للتراخي في الرتبة ، للإشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات ، وبينات وهدايات ، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد في الأرض . واسم الإشارة « ذلك » يعود إلى المذكور من مجيء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع عليهم . وفي وصف الكثيرين من بني إسرائيل بالإسراف احتراس في الحكم ، وإنصاف للقلة التي آمنت منهم ، وهذا من عدالة القرآن الكريم في أحكامه ، ودقته في تعبيراته . وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين منهم * ( فِي الأَرْضِ ) * مع أنه لا يكون إلا فيها ، للإيذان بأن فسادهم وإسرافهم في القتل والمعاصي لم يكن فيما بينهم فحسب ، بل انتشر شره في
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 146