سيد محمد طنطاوي

21

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم ، فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها . أو أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذي وصل بينكم حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه ، وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة » « 1 » . وقوله : * ( وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) * معطوف على قوله * ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) * . أو معطوف على محذوف والتقدير : خلقكم من نفس واحدة ابتدأها وخلق منها زوجها . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال : * ( وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً ونِساءً ) * . والبث معناه : النشر والتفريق . يقال : بث الخيل في الغارة ، أي فرقها ونشرها . ويقال : بثثت البسط إذا نشرتها . قال - تعالى - وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ أي منشورة . والمعنى : ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد والتناسل ، رجالا كثيرا ونساء كثيرة . والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها ، قد تكاثروا وانتشروا في أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم ، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد ، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم . وقوله * ( كَثِيراً ) * صفة لقوله * ( رِجالًا ) * وهو صفة مؤكدة لما أفاده التنكير من معنى الكثرة . وجاء الوصف بصيغة الإفراد ، لأن * ( كَثِيراً ) * وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع . واستغنى عن وصف النساء بالكثرة ، اكتفاء بوصف الرجال بذلك ، ولأن الفعل * ( بَثَّ ) * يقتضى الكثرة والانتشار . وقال الفخر الرازي : خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ، لأن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة . وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز . واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول » « 2 » . وقوله : * ( واتَّقُوا اللَّه الَّذِي تَسائَلُونَ بِه والأَرْحامَ ) * تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة في النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية اللَّه وامتثال أوامره . وقوله * ( تَسائَلُونَ ) * أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا . وهي قراءة عاصم وحمزة الكسائي .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 463 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 162 .