سيد محمد طنطاوي

22

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقرأ الباقون « تساءلون » بالتشديد بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس . والأرحام : جمع رحم وهي القرابة . مشتقة من الرحمة ، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على بعض . وكلمة * ( الأَرْحامَ ) * قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم اللَّه تعالى . والمعنى واتقوا اللَّه الذي يسأل بعضكم بعضا به ، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف : أسألك باللَّه أن تفعل كذا ، أو أن تترك كذا . واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإحسان ، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبتعد عنه ، وإنما الذي يجب أن يفعل هو صلتها وبرها . وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور في ( به ) . أي : اتقوا اللَّه الذي تساءلون به وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك باللَّه وبالرحم أن تفعل كذا . وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام باللَّه تعالى - في المناشدة والسؤال فيقولون : أسألك باللَّه وبالرحم . ولم يرتض كثير من النحويين هذه القراءة من حمزة ، وقالوا : إنها تخالف القواعد النحوية التي تقول : إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح ، لأن الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف ، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه ، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها ، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه . إلى غير ذلك مما قالوه في تضعيف هذه القراءة . وقد دافع كثير من المفسرين عن هذه القراءة التي قرأها حمزة . وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه . ومما قاله القرطبي في دفاعه عن صحة هذه القراءة : ومثل هذا الكلام - أي من النحويين - مردود عند أئمة الدين ، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى اللَّه عليه وسلم واستقبح ما قرأ به . وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النبي صلى اللَّه عليه وسلم ولا يشك أحد في فصاحته . ثم قال : والكوفي يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه ، ومنه قولهم : فاذهب فما بك والأيام من عجب « 1 »

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 3 وما بعدها - بتصرف وتلخيص .