سيد محمد طنطاوي
20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
جزء من أجزائه . واحتجوا عليه بقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها » . والقول الثاني : وهو اختيار أبى مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله * ( وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) * أي من جنسها . وهو كقوله - تعالى - واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً . وكقوله إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وقوله لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : * ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) * ، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة « 1 » . وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين : أولهما : وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له . فهو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم ، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم ، وهو الذي أوجد أبيضهم وأسودهم ، وعربيهم وأعجميهم . وثانيهما : وحدة النوع والتكوين ، إذ الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم - عليه السلام - . فيجب أن يشعر الجميع بفضل اللَّه عليهم . وأن يخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ، وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس على جنس ، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم ومالكهم ومدبر أمورهم . والمعنى : يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه ، وبأن تشكروه فلا تكفروه ، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ، وذلك من أظهر الأدلة على كمال قدرته - سبحانه ، ومن أقوى الدواعي إلى اتقاء موجبات نقمته ، ومن أشد المقتضيات التي تحملكم على التعاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم ، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم - سبحانه - من نفس واحدة . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : « فإن قلت : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته ، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها ؟ قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة . ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء ،
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 161 طبعة عبد الرحمن محمد - الطبعة الأولى سنة 1357 ه سنة 1938 م .