سيد محمد طنطاوي
88
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويحتمل أنه من كلامها الذي حكاه اللَّه تعالى عنها فلا تكون الجملة معترضة ويكون المعنى : وليس الذكر الذي طلبته كالأنثى التي وضعتها ، بل هو خير منها لأنه هو الذي يصلح لسدانة بيتك وخدمته ، ومع هذا فأنا في كلتا الحالتين راضية بقضائك مستسلمة لإرادتك . ثم حكى - سبحانه - أيضا بعض ما قالته بعد ولادتها فقال * ( وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ، وإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) * . قالوا : إن كلمة مريم معناها في لغتهم العابدة ، فأرادت بهذه التسمية التقرب إلى اللَّه والالتماس منه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لا سمها . ومعنى * ( أُعِيذُها بِكَ ) * أمنعها وأجيرها بحفظك . مأخوذ من العوذ ، وهو أن تلتجئ إلى غيرك وتتعلق به . يقال : عاذ فلان بفلان إذا استجار به ، ومنه العوذة وهي التميمة والرقية . والشيطان في لغة العرب : كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء . وهو مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن كل خير . والرجيم : فعيل بمعنى مفعول . أي أنه مرجوم مطرود من رحمة اللَّه ومن كل خير . وقيل رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشرور . والمعنى : وإني يا خالقي مع حبى لأن يكون المولود ذكرا لتتهيأ له خدمة بيتك فقد رضيت بما وهبت لي ، وإني قد سميت هذه الأنثى التي أعطيتني إياها مريم . أي العابدة الخادمة لك ، وإني أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذريتها من الشيطان الرجيم الذي يزين للناس الشرور والمساوئ . قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه » . ثم قال أبو هريرة : « اقرؤا إن شئتم : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » . قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن اللَّه - تعالى - استجاب دعاء أم مريم . . ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس فإن ذلك ظن فاسد ، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ، ومع ذلك عصمهم اللَّه مما يرومه الشيطان كما قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ « 1 » . وقوله : * ( وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ) * معطوف على * ( إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ) * وما بينهما اعتراض . وهذا
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 68 بتلخيص .