سيد محمد طنطاوي
89
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
على قراءة الجمهور التي جاءت بتسكين التاء في * ( وَضَعَتْ ) * في قوله - تعالى - * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) * . وأما على قراءة غير الجمهور التي جاءت بضم التاء في قوله : * ( وَضَعَتْ ) * فيكون أيضا معطوفا على * ( إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ) * ويكون هذا القول وما عطف عليه في محل نصب بالقول ، والتقدير : قالت : إني وضعتها أنثى ، وقالت : اللَّه أعلم بما وضعت وقالت : ليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إني سميتها مريم . وأتى في قوله : * ( وإِنِّي أُعِيذُها ) * بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها ، بخلاف وضعتها ، وسميتها ، حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما . وقوله : * ( وذُرِّيَّتَها ) * معطوف على الضمير المنصوب في أعيذها . وفي التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها من الشيطان الرجيم ، رمز إلى طلب بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتكون منها الذرية الصالحة . تلك هي بعض الكلمات الطيبات والدعوات الخاشعات ، التي توجهت بها امرأة عمران إلى ربها عندما أحست بالحمل في بطنها وعند ما وضعت حملها حكاها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر ، فما ذا كانت نتيجتها ؟ كانت نتيجتها أن أجاب اللَّه دعاءها وقبل تضرعها ، وقد حكى - سبحانه - ذلك بقوله : * ( فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ) * . والفاء في قوله : * ( فَتَقَبَّلَها ) * تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة ، والضمير يعود إلى مريم . والتقبل - كما يقول الراغب - قبول الشيء على وجه يقتضى ثوابا كالهدية ونحوها . وإنما قال - سبحانه - * ( فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ ) * ولم يقل بتقبل : للجمع بين الأمرين : التقبل الذي هو الترقي في القبول ، والقبول الذي يقتضى الرضا والإثابة » « 1 » . والمعنى : أن اللَّه - تعالى - تقبل مريم قبولا مباركا وخرق بها عادة قومها ، فرضي أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته كالذكور ، مع كونها أنثى وفاء بنذر الأم التقية التي قالت * ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ) * . * ( وأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ) * أي رباها تربية حسنة ، وصانها من كل سوء ، فكان حالها كحال النبات الذي ينمو في الأرض الصالحة حتى يؤتى ثماره الطيبة . وهكذا قيض اللَّه - تعالى - لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية ، فقد قبلها لخدمة بينه مع أنها
--> ( 1 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ج 2 ص 29 .