سيد محمد طنطاوي
79
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ممن يوجه إليهم الخطاب ، قل لهم على سبيل الإرشاد والتحذير * ( إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوه ) * من ولاية الكفار أو غيرها من الأقوال والأفعال * ( يَعْلَمْه اللَّه ) * فيجازيكم عليه بما تستحقون . وفي أمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بتوجيه هذا القول إلى المخاطبين ترهيب لهم من الآمر وهو اللَّه - تعالى - لأن هذا التنويع في الخطاب من شأنه أن يربى المهابة في القلوب . وذلك - واللَّه المثل الأعلى - كأن يقول الملك للمخالفين من رعيته : أحذركم من مخالفتي ، ثم يأمر أحد أصفيائه بأن يكرر هذا التحذير وأن يبين لهم سوء عاقبة المخالفين . وقوله * ( ويَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * جملة مستأنفة وليست معطوفة على جواب الشرط وهو * ( يَعْلَمْه اللَّه ) * ، وذلك لأن علمه - سبحانه - بما في السماوات والأرض ليس متوقفا على شرط فلذلك جيء به مستأنفا . وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص وهو علم ما في صدوركم تأكيدا له وتقريرا . وقوله * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * تذييل قصد به الإخبار بأنه مع علمه الواسع المحيط ، ذو قدرة نافذة على كل شيء وهذا لون من التهديد والتحذير لأن الذي يتوعد غيره بشيء لا يحول بينه وبين تحقيق هذا الشيء إلا أحد أمرين : الجهل بجريمة المجرم ، أو العجز عن تنفيذ وعيده ، فلما أعلمهم - سبحانه - بأنه محيط بكل شيء وقادر على كل شيء ، ثبت أنه - سبحانه متمكن من تنفيذ وعيده . قال صاحب الكشاف : « وقوله * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي : هو قادر على عقوبتكم وهذا بيان لقوله * ( ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه ) * لأن نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات ، متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم . فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور ، فهي قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب فإنه مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب . ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله ، فوكل همه بما يورد ويصدر ، ونصب عليه عيونا ، وبث من يتجسس عن بواطن أموره : لأخذ حذره وتيقظ في أمره ، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به ، فما بال من علم أن العالم بالذات - يعنى أن علمه بذاته لا بعلم زائد عن ذاته كعلم الحوادث وهذا عند المعتزلة - الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن . اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك » « 1 » . ثم كرر - سبحانه - التحذير من الحساب يوم القيامة وما يقع فيه من أهوال ورغب المؤمنين
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 325 .