سيد محمد طنطاوي

80

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

في العمل الصالح فقال : * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ، وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً ) * . قال الآلوسي : الأمد : غاية الشيء ومنتهاه والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة والأمد مدة لها حد مجهول ، والمراد هنا الغاية الطويلة ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة ، ولعله الأظهر ، فالتمنى هنا من قبيل التمني في قوله - تعالى - يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ « 1 » . والمعنى : راقبوا ربكم أيها المؤمنون . وتزودوا من العمل الصالح واذكروا * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ) * في الدنيا * ( مِنْ خَيْرٍ ) * وإن كان مثقال ذرة * ( مُحْضَراً ) * لديها مشاهدا في الصحف ، حتى لكأنه قد أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأى العين * ( وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) * تراه أيضا ظاهرا ثابتا مسجلا عليها ، وتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل السيئ زمنا طويلا ، ومسافة بعيدة وذلك لأن الإنسان يتمنى دائما أن يكون بعيدا بعدا شاسعا عن الشيء المخيف المؤلم خصوصا في هذا اليوم العصيب وهو يوم القيامة . وقوله * ( يَوْمَ ) * متعلق بمحذوف تقديره اذكروا ، وهو مفعول به لهذا المحذوف . و « تجد » يجوز أن يكون متعديا لواحد فيكون بمعنى تصيب وتصادف ، ويكون « محضرا » على هذا منصوبا على الحال . قال الجمل : وهذا هو الظاهر . ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين أولهما * ( ما عَمِلَتْ ) * والثاني * ( مُحْضَراً ) * « 2 » . وقوله * ( وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) * معطوف على قوله * ( ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ ) * . ويرى بعضهم أن « ما » في قوله * ( وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) * مبتدأ ، وخبرها جملة * ( تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً ) * فيكون المعنى : ما عملت من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمدا بعيدا . أتى - سبحانه - بقوله * ( مُحْضَراً ) * في جانب الخير فقط مع أن عمل السوء أيضا يكون محضرا للإشعار بكون عمل الخير هو المراد بالذات . وهو الذي يتمناه الإنسان ويرجو حضوره في هذا لما يترتب عليه من ثواب وأما عمل الشر فتتمنى كل نفس اقترفته لو بعد عنها ولم تره بسبب ما يترتب عليه من عقاب . وقوله - سبحانه - * ( ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه ) * تكرير للتحذير الأول الذي جاء في قوله - تعالى -

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 127 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 259 .