سيد محمد طنطاوي
69
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الفخر الرازي : أما قوله * ( فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه ) * فالمعنى أنه لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل ، وينكشف فيه ذلك الغرور فقال : * ( فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ ) * وفي الكلام حذف والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ، ويحذف الحال كثيرا مع كيف ، لدلالتها عليه تقول كنت أكرمه وهو لم يزرني ، فكيف لو زارني ، أي كيف حاله إذا زارني . واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : « لو زارني ، وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية » « 1 » . والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب في مجيئه وحصوله ، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا * ( ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) * من خير أو شر * ( وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * شيئا ، بل يجازى كل إنسان على حسب عمله ، لا شك أنهم في هذا اليوم الهائل الشديد سيفاجأون بذهاب غرورهم ، وبفساد تصورهم ، وأنهم سيقعون في العذاب الأليم الذي لا حيلة لهم في دفعه ، ولا مخلص لهم من ذوقه يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 2 » . قال الزمخشري : « روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود ، فيفضحهم اللَّه على رؤس الأشهاد ، ثم يأمر بهم إلى النار » « 3 » . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق توبيخا شديدا ، وأبطلت أكاذيبهم وغرورهم ، وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم ، وصورت حالهم يوم القيامة تصويرا مؤثرا هائلا تهتز له القلوب ، وترتجف منه الأفئدة ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل الصالح حتى يفوزوا برضا اللَّه . من توجيهات القرآن الكريم : بعد أن تحدثت سورة آل عمران ، عن المعرضين عن الحق . أمر اللَّه تعالى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما أمر كل مؤمن أن يتوجه إليه بالضراعة . . فقال تعالى :
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 234 . ( 2 ) سورة الشعراء الآيتان 88 ، 89 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 349 .