سيد محمد طنطاوي

70

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 26 إلى 27 ] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) قال القرطبي : قال ابن عباس وأنس بن مالك : « لما فتح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مكة ، ووعد أمته ملك فارس والروم ، قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات ! من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك ، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم . فأنزل اللَّه هذه الآية . « 1 » . والأمر بقوله * ( قُلِ ) * للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولكل من يتأتى له الخطاب من المؤمنين . وكلمة * ( اللَّهُمَّ ) * يرى الخليل وسيبويه أن أصلها يا اللَّه فلما استعملت دون حرف النداء الذي هو « يا » جعلوا هذه الميم المشددة التي في آخرها عوضا عن حرف النداء ، وهذا التعويض من خصائص الاسم الجليل ، كما اختص بجواز الجمع فيه بين « يا » و « أل » وبقطع همزته ، ودخول تاء القسم عليه . والمعنى . قل أيها المخاطب على سبيل التعظيم لربك ، والشكر له ، والتوكل عليه والضراعة إليه ، قل : يا اللَّه يا مالك الملك أنت وحدك صاحب السلطان المطلق في هذا الوجود ، بحيث تتصرف فيه كيف تشاء ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، من غير أن ينازعك في ذلك أي منازع . فكأن في هذه الجملة الكريمة * ( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ) * دعاءين خاشعين : أما الدعاء الأول فهو بلفظ الجلالة المعبر عنه بقوله * ( اللَّهُمَّ ) * أي يا اللَّه ، وفي هذا النداء كل معاني العبودية والتنزيه والتقديس والخضوع . وأما الدعاء الثاني فهو المعبر عنه بقوله * ( مالِكَ الْمُلْكِ ) * أي يا مالك الملك ، وفي هذا النداء كل معاني الإحساس بالربوبية ، والضعف أمام قدرة اللَّه وسلطانه . فقوله * ( مالِكَ ) * منصوب بحرف النداء المحذوف . كما في قوله قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأَرْضِ أي يا فاطر السماوات والأرض .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 52 .