سيد محمد طنطاوي

6

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إثر صلاة العصر ، عليهم ثياب الحبرات « 1 » . فقال بعض الصحابة : ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة . وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في المسجد إلى المشرق . فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : دعوهم . ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في شأن عيسى ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يرد عليهم بالبراهين الساطعة ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية ، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى المباهلة « 2 » . أما النصف الثاني من سورة آل عمران فقد كان نزول ما يقرب من ستين آية منه « 3 » في أعقاب غزوة أحد . هذا ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسير هذه السورة الكريمة بالتفصيل أن نذكر على سبيل الإجمال ما اشتملت عليه من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وأحكام جليلة ، وتشريعات قويمة . إنك عندما تفتح كتاب اللَّه - تعالى - وتطالع سورة آل عمران تراها في مفتتحها تثبت أن المستحق للعبادة إنما هو اللَّه وحده ، وتقيم البراهين الساطعة على ذلك . ألم اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه ، وأَنْزَلَ التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ ، وأَنْزَلَ الْفُرْقانَ . ثم بعد أن مدحت أصحاب العقول السليمة لقوة إيمانهم ، وشدة إخلاصهم وكثرة تضرعهم إلى خالقهم - سبحانه - وبشرتهم بحسن العاقبة . . بعد أن فعلت ذلك ذمت الكافرين وتوعدتهم بسوء المصير فقالت : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّه شَيْئاً ، وأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمِهادُ . ثم تحدثت عن الشهوات التي زينت للناس ، وبينت ما هو خير منها ، وصرحت بأن الدين الحق الذي ارتضاه اللَّه لعباده هو دين الإسلام ، وأن أهل الكتاب ما تركوا الحق الذي جاءهم به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلا بسبب ما استولى على قلوبهم من بغى وجحود ، وأنهم بسبب ما ارتكبوه من كفر

--> ( 1 ) الحبرات : جمع حبرة . وهي ثياب يمانية . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 3 ( 3 ) من الآية 121 - 179 .