سيد محمد طنطاوي
7
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجرائم في الدنيا ، سيكون حالهم يوم القيامة أسوأ حال وسيكون مصيرهم أشنع مصير ، فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ثم نهت السورة الكريمة المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء يلقون إليهم بالمودة ، وذكرتهم بأن اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء ، وأنه - سبحانه - سيحاسب كل نفس بما كسبت يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً . فإذا ما طالعت - أيها القارئ الكريم - الربعين : الثالث والرابع منها ، وجدت فيهما حديثا حكيما عن آل عمران . قد تحدثت السورة الكريمة عما قالته امرأة عمران - أم مريم - عندما أحست بالحمل في بطنها ، وعما قالته عندما وضعت حملها . قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ، واللَّه أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ، ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثى ، وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ . وتحدثت عن الدعوات الخاشعات التي تضرع بها زكريا إلى ربه ، سائلا إياه الذرية الطيبة ، وكيف أن اللَّه - تعالى - أجاب له دعاءه فبشره بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه وسَيِّداً وحَصُوراً ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . وتحدثت عن اصطفاء اللَّه - تعالى - لمريم وتبشيرها بعيسى - عليه السّلام - وتعجبها من أن يكون لها ولد دون أن يمسها بشر وكيف أن اللَّه - تعالى - قد رد عليها بما يزيل عجبها . قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّه يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُونُ . وتحدثت عن الصفات الكريمة ، والمعجزات الباهرة التي منحها اللَّه - تعالى - لعيسى - عليه السّلام - وعن دعوته للناس إلى عبادة اللَّه وحده وعن موقف أعدائه منه وعن صيانة اللَّه له من مكرهم وعن تشابه عيسى وآدم في شأن خلقهما بدون أب . . وكيف أن اللَّه - تعالى - أمر نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يتحدى كل من يجادله بالباطل في شأن عيسى فقال : ذلِكَ نَتْلُوه عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الْحَكِيمِ : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ، ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّه عَلَى الْكاذِبِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، وما مِنْ إِله إِلَّا اللَّه وإِنَّ اللَّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .