سيد محمد طنطاوي

68

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمس : اتصال أحد الشيئين بالآخر على وجه الإحساس والإصابة ، والمراد من النار : نار الآخرة . والمراد من المعدودات : المحصورات القليلات يقال شيء معدود : أي قليل وشئ غير معدود أي كثير . فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوما ، وبعدها يخرجون إلى الجنة . عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - قال : إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار ، وإنما هي سبعة أيام . وفي رواية عنه أنه قال في قوله - تعالى - * ( قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) * ذلك أعداء اللَّه اليهود ، قالوا : لن يدخلنا اللَّه النار إلا تحلة القسم ، الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم « 1 » . أي ذلك التولي والإعراض عن الحق الذي صدر عن كثير من أحبار اليهود وعوامهم سببه أنهم سهلوا على أنفسهم أمر العقاب ، وتوهموا أنهم لن يعذبوا عذابا طويلا ، بل النار ستمسهم أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها ، لأنهم أبناء اللَّه وأحباؤه ، ولأن آباءهم سيشفعون لهم في زعمهم . ثم قال - تعالى - * ( وغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) * . وقوله * ( وغَرَّهُمْ ) * من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان ويخدعه من مال أو جاه أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التي تغر الإنسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع الحق . والمعنى : أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب ، ولم يبالوا بالمعاصي والذنوب ، وأنهم طمعوا في غير مطمع ، وأصاب موضع المغرة والغفلة منهم في دينهم ما كانوا يفترونه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات . والغرور أكبر شيء يبعد الإنسان عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو دينه ودنياه . ثم حكى القرآن ما سيكون عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب مؤثر فقال : * ( فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه ، ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * . فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل والرد على مزاعمهم الباطلة . وكيف في موضع نصب على الحال ، والعامل فيه محذوف أي فكيف تكون حالهم ، أو كيف يصنعون . ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي : فكيف حالهم .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 118 .