سيد محمد طنطاوي

60

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام في قوله * ( أَأَسْلَمْتُمْ ) * للحض على أن يسلموا وجوههم اللَّه ، ويتبعوا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما اتبعه المسلمون . والمعنى : فإن جادلوك في الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك ، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهي اللَّه وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم اللَّه ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكم أنى على حق ، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة . قال صاحب الكشاف : وقوله * ( أَأَسْلَمْتُمْ ) * يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته : هل فهمتها لا أم لك . ومنه قوله - تعالى - فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر . وفي هذا الاستفهام استقصار - أي عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج ، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال : * ( فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ، وإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ واللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) * . أي : فإن أسلموا وجوههم اللَّه وصدقوا بما جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقد اهتدوا إلى طريق الحق ، لأن هذا الإسلام هو الدين الذي ارتضاه اللَّه للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم ، فإن إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذي عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك اللَّه بتبليغه إياهم . وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه . وعبر بالماضي في قوله * ( فَقَدِ اهْتَدَوْا ) * مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وقوله * ( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) * قائم مقام جواب الشرط أي وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه . وقوله * ( واللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) * تذييل فيه عزاء للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن كفرهم ، وإشارة إلى أحوالهم ، وإنذار بسوء مصيرهم ، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه ، وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة ، وجزيل الثواب .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 347 .