سيد محمد طنطاوي
61
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال ابن كثير : وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله - تعالى - قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وقال - تعالى - تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِه لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً . وفي الصحيحين وغير هما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعث كتبه يدعو إلى اللَّه ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم . كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر اللَّه له بذلك ، فعن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار » . وقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « بعثت إلى الأحمر والأسود » . وقال : « كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » وعن أنس - رضى اللَّه عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وضوءه ويناوله نعليه فمرض . فأتاه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه ، فقال له النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « يا فلان قل لا إله إلا اللَّه ، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم القول . فنظر إلى أبيه ، فقال له أبوه أطع أبا القاسم . فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه . فخرج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو يقول : الحمد للَّه الذي أخرجه بي من النار » رواه البخاري في الصحيح . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث « 1 » . وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس في كل زمان ومكان أن دين الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه اللَّه لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون . كما بينت أن كثيرا من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا ، كما بينت - أيضا - أن الذين يدخلون في هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم ، وأن الذين يعرضون عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإعراض عن الحق المبين . ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التي عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم ، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 354 .