سيد محمد طنطاوي
57
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هذا ، ومن الآثار التي وردت في فضل هذه الآية ما رواه الإمام أحمد عن الزبير بن العوام قال : سمعت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية * ( شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ ) * . . إلى آخر الآية . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب » وقال غالب القطان : أتيت الكوفة في تجارة لي فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف إليه ، فقام في ليلة متهجدا فمر بهذه الآية * ( شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ ) * فقال : وأنا أشهد بما شهد اللَّه به ، وأستودع اللَّه هذه الشهادة وهي لي وديعة « إن الدين عند اللَّه الإسلام » ، - قالها مرارا - فقلت . لقد سمع فيها شيئا فسألته في ذلك فقال : حدثني أبو وائل بن عبد اللَّه قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول اللَّه - تعالى - » عبدي عهد إلى وأنا أحق من وفي العهد ادخلوا عبدي الجنة » « 1 » . وقوله * ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلامُ ) * جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى . وأصل الدين في اللغة الجزاء والحساب . يقال دنته بما صنع أي جازيته على صنيعه ، ومنه قولهم : كما تدين تدان أي ، كما تفعل تجازى ، وفي الحديث « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » والمراد به هنا ما جاء به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات ، فيكون بمعنى الملة والشرع . أي : إن الشريعة المرضية عند اللَّه - تعالى - هي الإسلام ، والإسلام في اللغة هو الاستسلام والانقياد يقال : أسلم أي انقاد واستسلم . وأسلم أمره اللَّه سلمه إليه والمراد به هنا - كما قال ابن جرير : « شهادة أن لا إله إلا اللَّه ، والإقرار بما جاء من عند اللَّه ، وهو دين اللَّه الذي شرعه لنفسه وبعث به رسله ، ودل عليه أولياءه ، لا يقبل غيره ولا يجزى بالإحسان إلا به » « 2 » وهو الدين الحنيف الذي جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقال ابن كثير : وقوله - تعالى - * ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلامُ ) * إخبار منه تعالى - بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام ، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم اللَّه به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فمن لقى اللَّه تعالى - بعد بعثة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه الآية . وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام * ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلامُ ) * « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 354 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 212 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 354 .