سيد محمد طنطاوي
58
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( عِنْدَ اللَّه ) * ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل ، أي الذي شرع عند اللَّه الإسلام . ويصح أن يكون صفة للدين فيكون متعلقا بمحذوف أي الكائن أو الثابت عند اللَّه الإسلام . وفي إضافة الدين إلى اللَّه - تعالى - بقوله * ( عِنْدَ اللَّه ) * وباعتبار الإسلام وحده ، هو دين اللَّه ، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين ، إشعار بفضل الإسلام ، لأن له ذلك الشرف الإضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه ، فهو دين اللَّه الذي شرعه لخلقه . ثم بين - سبحانه - أن اختلاف أهل الكتاب في شأن الدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغي والحسد وطلب الدنيا فقال - تعالى - * ( ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * . أي : وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذي لا باطل معه ، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما كان سببه البغي والحسد والظلم فيما بينهم . وفي التعبير عنهم بأنهم * ( أُوتُوا الْكِتابَ ) * زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأفحش ، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم ، وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا أشد قبحا وفحشا . وقوله * ( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) * زيادة أخرى في تقبيح أفعالهم ، فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القبح والعناد . والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات ، أي وما اختلفوا في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق ، والعلم بالحق وحده لا يكفى في الإيمان به ، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مخلص متفتح لطلبه ، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم يحاربونه ويحاربون أهله ، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق اللَّه إذ يقول . الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَه كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ، وإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ « 1 » . فهم قد اختلفوا في الحق مع علمهم بأنه حق ، لأن العلم كالمطر ، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية ، والقلوب الواعية ، والأفئدة المستقيمة .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 146 .