سيد محمد طنطاوي

49

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأما المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى في قوله - تعالى - * ( والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأَنْعامِ والْحَرْثِ ) * . ولفظ الخيل يرى سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه ، بل مفردة فرس فهو نظير قوم ورهط ونساء . ويرى الأخفش أنه جمع تكسير وواحده خائل ، فهو نظير راكب وركب ، وطائر وطير . وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال في مشيتها . والمسومة : أي الراعية في المروج والمسارح . يقال : سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى . أو المطهمة الحسان ، من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل من السمة بمعنى العلامة . والخيل كانت وما زالت زينة محببة مرغوبة ، مهما تفنن البشر في اختراع صنوف من المراكب برّا وبحرا وجوّا فمع وجود هذه المراكب المتنوعة ما زال للخيل عشاقها الذين يعجبهم ما فيها من جمال وانطلاق وألفة . ويقتنونها للركوب والمسابقات . . * ( والأَنْعامِ ) * جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم . ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها . والأنعام فيها زينة . والإنسان في حاجة شديدة إليها في مركبه ومطعمه وغير ذلك . قال - تعالى - والأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنْها تَأْكُلُونَ . ولَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ، وتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيه إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ « 1 » . و * ( الْحَرْثِ ) * مصدر بمعنى المفعول أي المحروث . والمراد به المزروع سواء أكان حبوبا أم بقلا ، أم ثمرا إذ من هذه الأشياء يتخذ الإنسان مطعمه وملبسه وأدوات زينته . تلك هي أهم المشتهيات في هذه الحياة إلى نفس الإنسان قد جمعها القرآن في آية واحدة ، وقد اختصها - سبحانه - بالذكر لأنها أوضح من غيرها في الاحتياج إليها والتلذذ بها ، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة جسدية أم روحية ، أم مالية ، أم غير ذلك من ألوان المتع ، ومن مستلزمات الحياة . وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله * ( ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا واللَّه عِنْدَه حُسْنُ الْمَآبِ ) * . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى كل ما تقدم ذكره من الأمور الستة التي سبق الحديث عنها ، والمآب : مصدر ميمى بوزن مفعل ، من آب . كقال - إيابا وأوبا ومآبا ، إذا رجع . وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى الهمزة ثم قلبت الواو ألفا مثل مقال .

--> ( 1 ) سورة النحل الآية 5 - 7 .