سيد محمد طنطاوي
50
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي ذلك المذكور من النساء والبنين وما عطف عليهما هو موضع الزينة ، ومطلب الناس الذي يستمتعون به ، ويرغبون فيه ، ويشتهونه اشتهاء عظيما في حياتهم ، واللَّه - تعالى - عنده المرجع الحسن وهو الجنة ، فهي الأحق بالرغبة فيها لبقائها دون المتع الفانية . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات التي جبل الإنسان على الميل إليها ، وصياغة الفعل للمجهول * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ ) * للإشارة إلى أن محبة هذه الأشياء واشتهاءها مركوز في الفطرة الإنسانية منذ أوجد . اللَّه الإنسان في هذه الحياة الدنيا . وهذه المتشهيات ليست خسيسة في ذاتها ، ولا يقصد الإسلام إلى تخسيسها في ذاتها أو إلى التنفير منها ، وإنما الإسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا في طلبها ، وأن يطلبوها من وجوهها المشروعة ، وأن يضعوها في مواضعها المشروعة ، وأن يشكروا اللَّه عليها ، وألا يجعلوها غاية مقصدهم في هذه الحياة إن الإسلام لا يحارب الفطرة الإنسانية التي تشتهي هذه الأشياء ، وإنما يهذبها ويضبطها ويرشدها إلى أن تضع هذه الأشياء في موضعها المناسب ، بحيث لا تطغى على غيرها ولا تستعمل في غير ما خلقها اللَّه من أجله ، وبذلك يسعد الإنسان في دينه ودنياه وآخرته . وللإمام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية فقد قال ما ملخصه : يخبر اللَّه - تعالى - عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد . . فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه كما وردت الأحاديث بذلك . . وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر . . فيكون مذموما ، وتارة يكون للنفقة في وجوه البر فيكون محمودا . . وحب الخيل على ثلاثة أقسام ، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل اللَّه متى احتاجوا إليها غزوا عليها فهؤلاء يثابون . وتارة تربط فخرا ومناوأة لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر . وتارة تربط للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس صاحبها حق اللَّه فيها فهذه لصاحبها ستر . وفي الحديث الشريف أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة » والسكة النخل المصطف ، والمأبورة الملقحة ، « 1 » . وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه » « 2 » . هذا ، وختام الآية الكريمة بقوله * ( ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا واللَّه عِنْدَه حُسْنُ الْمَآبِ ) * إشارة
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 351 - بتصرف وتلخيص . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 26 .