سيد محمد طنطاوي

43

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هذا وللعلماء أقوال في المراد من قوله - تعالى - * ( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) * وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه الأقوال فقال : * ( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ ) * أي : يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين أي قريبا من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين أي ستمائة ونيفا وعشرين . أراهم اللَّه إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم . وكان ذلك مددا لهم من اللَّه كما أمدهم بالملائكة . والدليل عليه قراءة نافع تَرَوْنَهُمْ بالتاء ، أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة ، أو مثلي أنفسهم . فإن قلت فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال ويُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ قلت : قللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤا عليهم : فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين . . وتقليلهم تارة وتكثيرهم تارة أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية . وقيل : يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله - تعالى - إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ « 1 » . والذي نراه أن الرأي الذي عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : وقيل : يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين . . إلخ هذا الرأي هو أقرب الأقوال إلى الصواب لأن المسلمين في غزوة بدر كانوا أقل عددا وعدة من المشركين ، ولأن التعبير بقوله - تعالى - * ( رَأْيَ الْعَيْنِ ) * يفيد أن رؤية هذه الكثرة من المشركين كانت رؤية بصرية بالمشاهدة ، وليست بالتقدير أو التخيل ، وهذا يتحقق في رؤية المؤمنين للمشركين : فإن قيل : إن المشركين في بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا - كما حكى لنا التاريخ - ولم يكونوا مثليهم أي ضعفهم ؟ فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشركين من جانب المؤمنين كان تقديرا تقريبيا وليس تقديرا عدديا ، فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين أو نقول : إن المراد بكلمة مثلين مجرد التكرار وليس المراد بها التثنية على الحقيقة ، كما في قوله - تعالى - فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وهُوَ حَسِيرٌ ، فالمراد تكرار النظر مرة ومرات وليس المراد التحديد بكرتين . وقد رجح ابن جرير الطبري هذا الرأي ، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال العلماء : وأولى هذه القراءات بالصواب : قراءة من قرأ * ( يَرَوْنَهُمْ ) * بمعنى : وأخرى كافرة يراهم المسلمون

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 341 .