سيد محمد طنطاوي
44
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مثليهم ، يعنى : مثلي عدد المسلمين ، لتقليل اللَّه إياهم في أعينهم في حال . فكان حزرهم إياهم كذلك . ثم قال : وأما قوله : * ( رَأْيَ الْعَيْنِ ) * فإنه مصدر رأيته . يقال رأيته رأيا ورؤية ، ويقال هو منى رأى العين ، ورأى العين - بالنصب والرفع - يراد حيث يقع عليه بصرى . . فمعنى ذلك : يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم » « 1 » . وقوله - تعالى - * ( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ ) * . . إلخ من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير وتحقيق ما قبله . و * ( كانَ ) * هنا ناقصة ، و * ( آيَةٌ ) * اسمها ، وترك التأنيث في - كان - لوجود الفاصل بينها وبين اسمها . ولأن المرفوع بها وهو اسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل . وقوله * ( لَكُمْ ) * خبر كان . وقوله * ( فِئَةٌ ) * خبر لمبتدأ محذوف أي . إحداهما فئة تقاتل في سبيل اللَّه . وقوله * ( وأُخْرى ) * نعت لمقدر أي وفئة أخرى كافرة . والجملة مستأنفة لتقرير « ما في الفئتين من الآية » ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله * ( واللَّه يُؤَيِّدُ بِنَصْرِه مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصارِ ) * . أي : واللَّه - تعالى - يؤيد بنصره من يشاء نصره وفوزه ، فهو القادر على أن يجعل الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة ، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه وإن الذين يغترون بقوتهم وحدها ، ويغترون بما بين أيديهم من أموال وعتاد ورجال ، ولا يعملون حسابا للقدر ، الذي يجريه اللَّه على حسب مشيئته وإرادته هؤلاء الذين غرهم باللَّه الغرور ، تداهمهم الهزيمة من حيث لا يحتسبون ، وقد يفجؤهم الخسران والخذلان من الطريق الذي توهموا فيه الكسب والانتصار . لذا أمر اللَّه - تعالى - عباده بالاعتبار والاتعاظ فقال : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصارِ ) * واسم الإشارة ذلك يعود إلى المذكور الذي رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة غلبت الفئة الكثيرة الكافرة . والعبرة - الاعتبار والاتعاظ وأصله من العبور وهو النفور من أحد الجانبين إلى الآخر ، وسمى الاتعاظ عبرة ، لأن المعتبر المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم ، ومن الهلاك إلى النجاة ، أي : إن في ذلك الذي شاهده الناس وعاينوه من انتصار الفئة القليلة التي تقاتل في سبيل اللَّه ، على الفئة الكثيرة التي تقاتل في سبيل الطاغوت ، لعبرة عظيمة ، ودلالة واضحة ، لأصحاب المدارك السليمة والعقول الواعية التي تفهم الأمور على حقيقتها ، وتؤمن بأن اللَّه - تعالى - قادر على كل شيء ، أما أصحاب القلوب المطموسة والنفوس المغرورة بقوتها . فهي عن الاعتبار والاتعاظ بمعزل .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 198 - بتصرف وتلخيص .