سيد محمد طنطاوي

381

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها حالة كون هذه الجنات منزلا مهيئا لهم من عند اللَّه - تعالى - على سبيل الإكرام لهم ، والتشريف لمنزلتهم . وقوله * ( وما عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ لِلأَبْرارِ ) * أي ما عند اللَّه من نعيم مقيم لعباده المتقين خير مما يتقلب فيه الكافرون من المتاع القليل الزائل . ثم بين - سبحانه - أن أهل الكتاب ليسوا سواء . بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار ، وقد بين - سبحانه - هنا صفات الأخيار منهم فقال : * ( وإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّه وما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّه لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّه ثَمَناً قَلِيلًا ) * . أي : * ( وإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) * وهم اليهود والنصارى لفريقا * ( يُؤْمِنُ بِاللَّه ) * إيمانا حقا منزها عن الإشراك بكل مظاهره ويؤمن بما * ( أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) * من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ويؤمن بحقيقة « ما أنزل إليهم » من التوراة والإنجيل ولا يزالون مع هذا الإيمان العميق * ( خاشِعِينَ لِلَّه ) * أي خاضعين له - سبحانه - خائفين من عقابه ، طالبين لرضاه * ( لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّه ثَمَناً قَلِيلًا ) * أي لا يبيعون آيات اللَّه أو حقيقة من حقائق دينهم في نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا الفانية ، لأن هذا الثمن المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة . فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ، وفي هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب . وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية في كثير من سوره ومن ذلك قوله - تعالى - لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّه آناءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ . وقوله - تعالى - مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ . وقدم - سبحانه - إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها ، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه فهو باطل وقوله * ( خاشِعِينَ لِلَّه ) * حال من فاعل * ( يُؤْمِنُ ) * وجمع حملا على المعنى : ثم بين - سبحانه - جزاءهم الطيب بعد بيان صفاتهم الكريمة فقال : * ( أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ) * . أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة لهم أجرهم الجزيل في مقابل أعمالهم الصالحة وأفعالهم الحميدة . وقوله * ( إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ) * كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق