سيد محمد طنطاوي
382
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأنه يوفيها لكل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي . ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر فإن سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء فكأنه قيل : لهم أجرهم عند ربهم عن قريب ، لأن اللَّه - تعالى - سريع الحساب والجزاء . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء جامع للمؤمنين ، دعاهم فيه إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ، ورابِطُوا ، واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * . والصبر معناه : حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على تحمل المكاره وتعويدها على أداء الطاعات . والمصابرة : هي المغالبة بالصبر : بأن يكون المؤمن أشد صبرا من عدوه . ورابطوا : من المرابطة وهي القيام على الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء ، فهي استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء . والمعنى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ) * على طاعة اللَّه وعلى تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه فإن الصبر جماع الفضائل وأساس النجاح والظفر . * ( وصابِرُوا ) * أي قابلوا صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل موطن من المواطن التي تستلزم الصبر وتقتضيه . قال صاحب الكشاف : * ( وصابِرُوا ) * أعداء اللَّه في الجهاد ، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ، ولا تكونوا أقل منهم صبرا وثباتا فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدته وصعوبته » « 1 » . * ( ورابِطُوا ) * أي أقيموا على مرابطة الغزو في نحر العدو بالترصد له ، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا يفاجئكم بما تكرهون . ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون في سبيل اللَّه نصف العام ، ويطلبون قوتهم بالعمل في النصف الآخر . ولقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي وردت في فضل المرابطة من أجل حماية ديار الإسلام ، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 461 .