سيد محمد طنطاوي

377

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ومعنى * ( لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ ) * لا أزيل ثواب عمل أي عامل منكم ، بل أكافئه عليه بما يستحقه ، وأعطيه من ثوابي ورحمتي ما يشرح صدره ، ويدخل البهجة والسرور على نفسه . وقوله * ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) * بيان لعامل ، وتأكيد عمومه ، أي لا أضيع عمل أي شخص عامل سواء أكان هذا العامل ذكرا أم أنثى . ومعنى * ( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) * أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد اللَّه به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة . روى الترمذي عن أم سلمة قالت : يا رسول اللَّه ، لا أسمع اللَّه - تعالى - ذكر النساء في الهجرة ، فأنزل اللَّه - تعالى - * ( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) * . ثم بين - سبحانه - الأعمال الصالحة التي استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب منه - سبحانه - فقال : * ( فَالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ، وأُوذُوا فِي سَبِيلِي ، وقاتَلُوا وقُتِلُوا ، لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) * . أي : فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التي أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، وأخرجوا من ديارهم ، فرارا بدينهم من ظلم الظالمين ، واعتداء المعتدين ، * ( وأُوذُوا فِي سَبِيلِي ) * أي تحملوا الأذى والاضطهاد في سبيل الحق الذي آمنوا به * ( وقاتَلُوا ) * أعداء اللَّه * ( وقُتِلُوا ) * وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل . هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك ، وعدهم اللَّه - تعالى - بالأجر العظيم فقال : * ( لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) * أي لأمحون عنهم ما ارتكبوه من سيئات ، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا * ( ولأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * أي تجرى من تحت قصورها الأنهار التي فيها العسل المصفى ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . وقوله * ( ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّه واللَّه عِنْدَه حُسْنُ الثَّوابِ ) * أي لأثيبنهم ثوابا عظيما من عندي ، واللَّه - تعالى - عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد هاجروا من الأرض التي أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، وأخرجوا منها مضطرين لا مختارين فرارا بدينهم ، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عندما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال : « يا مكة واللَّه لأنت أحب بلاد اللَّه إلى ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت » .