سيد محمد طنطاوي

378

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولأنهم قد تحملوا من الأذى في سبيل اللَّه ، ولأنهم قد جاهدوا أعداء اللَّه وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة اللَّه . وقوله * ( فَالَّذِينَ هاجَرُوا ) * مبتدأ ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له ، والتفخيم لشأنه . وخبره قوله * ( لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) * . وقوله * ( وأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) * معطوف على * ( هاجَرُوا ) * . وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة باختيارهم ليبحثوا عن مكان أصلح لنماء دعوتهم ، وانتشار الحق الذي اعتنقوه ، وتارة بغير اختيارهم بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم أعداؤهم إلى الخروج منها بسبب ما نالهم منهم من ظلم واعتداء . وقوله * ( وأُوذُوا فِي سَبِيلِي ) * معطوف على ما قبله . والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار ، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من جهة المشركين . وجمع - سبحانه - بين قوله * ( وقاتَلُوا وقُتِلُوا ) * للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا وأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ، وقوله : * ( لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) * جواب قسم محذوف ، أي واللَّه لأكفرن عنهم سيئاتهم . وقدّم - سبحانه - تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة ، لأن التخلية - كما يقولون - مقدمة على التحلية ، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم منها ، ثم أدخلهم بعد ذلك جنته وأعطاهم فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وقوله * ( ثَواباً ) * مصدر مؤكد لما قبله ، لأن المعنى لأثيبنهم على ما عملوه ثوابا عظيما . وقوله * ( مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * صفة لقوله * ( ثَواباً ) * وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده - تعالى - ، لكنه صرح به - سبحانه - تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه . وقوله * ( واللَّه عِنْدَه حُسْنُ الثَّوابِ ) * تذييل مقرر لمضمون ما قبله . وقد ختم - سبحانه - الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن كأن كل جزاء للأعمال في الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده - سبحانه - في الآخرة لعباده المتقين . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين إلى الإكثار من ذكر اللَّه وإلى التفكر السليم في عجائب صنعه ، وساقت لنا ألوانا من الدعوات الطيبات الخاشعات التي تضرع بها الأخيار إلى خالقهم ، وبينت لنا الثواب الجزيل والعطاء العظيم الذي منحه اللَّه لهم في مقابل إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وأنه لا يرد دعاء الأبرار من عباده .