سيد محمد طنطاوي
372
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقوله * ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ ) * إلخ . في موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب . ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح . أي : * ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ) * لآيات واضحات على وحدانية اللَّه وقدرته ، لأصحاب العقول السليمة ، الذين من صفاتهم أنهم * ( يَذْكُرُونَ اللَّه ) * أي يستحضرون عظمته في قلوبهم ، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم ، ويداومون على ذلك في جميع أحوالهم . فهم يذكرونه قائمين ، ويذكرونه قاعدين . ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله * ( قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ) * أن ذكرهم للَّه - تعالى - بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحوالهم « . وقوله * ( قِياماً وقُعُوداً ) * منصوبان على الحالية من ضمير الفاعلي في قوله : * ( يَذْكُرُونَ ) * . وقوله * ( وعَلى جُنُوبِهِمْ ) * متعلق بمحذوف معطوف على الحال أي : وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين . ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال : * ( ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * . أي أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر اللَّه - تعالى - ، ولا يكتفون بذلك ، بل يضيفون إلى هذا الذكر التدبر والتفكر في هذا الكون وما فيه من جمال الصنعة ، وبديع المخلوقات ، ليصلوا من وراء ذلك إلى الإيمان العميق ، والإذعان التام ، والاعتراف الكامل بوحدانية اللَّه . وعظيم قدرته . . . فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون في مخلوقات اللَّه وما فيها من عجائب المصنوعات ، وغرائب المبتدعات ، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع - سبحانه - ، فيعلموا أن لهذا الكون قادرا مدبرا حكيما ، لأن عظم آثاره وأفعاله ، تدل على عظم خالقها . ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التي تحض على التفكير السليم ، وعلى التدبر في عجائب صنع اللَّه ، ومن ذلك قول سليمان الداراني : « إني أخرج من بيتي فما يقع بصرى على شيء إلا رأيت للَّه على فيه نعمة ، ولى فيه عبرة » ، وقال الحسن البصري : « تفكر ساعة خير من قيام ليلة » . وقال الفخر الرازي : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس . ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم ، كما قال - تعالى - : لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ . ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السماوات والأرض ، لأن