سيد محمد طنطاوي

373

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

دلالتها أعجب . وشواهدها أعظم » « 1 » . وقد وبخ - سبحانه - الذين يرون العبر فلا يعتبرون ، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال - تعالى - : وكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ . وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّه إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ . ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم للَّه وتفكرهم في خلقه فقال : * ( رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) * . أي أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق ، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن ، وتفكرت عقولهم في بدائع صنع اللَّه تفكيرا سليما ، استشعروا عظمة اللَّه استشعارا ملك عليهم جوارحهم ، فرفعوا أكف الضراعة إلى اللَّه بقولهم : يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثا ، أو عاريا عن الحكمة . أو خاليا من المصلحة ، * ( سُبْحانَكَ ) * أي ننزهك تنزيها تاما عن كل مالا يليق بك * ( فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) * أي فوفقنا للعمل بما يرضيك ، وأبعدنا عن عذاب النار . وقوله * ( رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ) * إلخ جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله أي يتفكرون قائلين ربنا . لأن هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء . وقوله : باطلا صفة لمصدر محذوف أي خلقا باطلا ، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة ، خاليا من المصلحة ، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة ، منتظما لمصالح عظيمة . وكان نداؤهم لخالقهم - عز وجل - بلفظ * ( رَبَّنا ) * اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع . وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أي التنزيه ، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه أي ، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق ، وجئ بفاء التعقيب في حكاية قولهم * ( فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) * لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه سبحانه - لم يخلق هذا عبثا - أن هناك ثوابا وعقابا ، فسألوا اللَّه - تعالى - أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار . وقوله - تعالى - حكاية عنهم * ( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه ) * في مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار . أي : أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار ، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أي أهنته وفضحته على رؤس الأشهاد .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 110 .