سيد محمد طنطاوي

35

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

العقول ، لأنه لم يطلع على موضوعها ، فليس ذلك لأنها متشابهة في ذاتها ، بل لاشتباه عند من لا يعلم ، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية في القرآن متشابهة » « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - موقف الناس من محكم القرآن ومتشابهه ، شرع في بيان ما يتضرع به المؤمنون الصادقون الذين يؤمنون بكل ما أنزله اللَّه - تعالى - فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 9 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه إِنَّ اللَّه لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) اشتملت هاتان الآيتان على دعوات طيبات . ويرى بعض العلماء أن هذه الدعوات من مقول الراسخين في العلم ، فهم يقولون : * ( آمَنَّا بِه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) * ويقولون أيضا * ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ) * ويرى بعضهم أن هذا كلام جديد ، وهو تعليم من اللَّه - تعالى - لعباده ليكثروا من التضرع إليه بهذه الدعوات وأمثالها . والزيغ - كما أشرنا في الآية السابقة - الميل عن الاستقامة ، والانحراف عن الحق ، يقال : زاغ يزيغ أي مال ومنه زاغت الشمس إذا مالت . والمعنى : نسألك يا ربنا ونضرع إليك ألا تميل قلوبنا عن الهدى بعد إذ ثبتنا عليه ومكنتنا منه . وأن تباعد بيننا وبين الزيغ الذي لا يرضيك . وبين الضلال الذي يفسد القلوب ، ويعمى البصائر . * ( وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) * أي وامنحنا من عندك ومن جهتك إنعاما وإحسانا تشرح بهما صدورنا . وتصلح بهما أحوالنا * ( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) * لا غيرك ، فأنت مالك الملك وأنت القائل ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه « 2 » . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت سؤال المؤمنين ربهم تثبيت الإيمان في قلوبهم ومنحهم المزيد من فضله وإنعامه وإحسانه . . قال الفخر الرازي - ما ملخصه - : وقال - سبحانه - * ( رَحْمَةً ) * ليكون ذلك شاملا لجميع أنواعها التي تتناول حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب ، وحصول الطاعة في الأعضاء والجوارح ، وحصول سهولة أسباب المعيشة والأمن والصحة والكفاية في الدنيا

--> ( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام العدد التاسع - السنة الثامنة . ( 2 ) سورة فاطر الآية 2 .