سيد محمد طنطاوي

36

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وحصول سهولة سكرات الموت عند حضوره ، وحصول سهولة السؤال في القبر ، وغفران السيئات والفوز بالجنات في الآخرة . وقوله * ( مِنْ لَدُنْكَ ) * يتناول كل هذه الأقسام . لأنه لما ثبت بالبراهين الباهرة أنه لا رحيم إلا هو أكد ذلك بقوله « من لدنك » تنبيها للعقل والقلب والروح على أن هذا المقصود لا يحصل إلا منه - سبحانه - ثم قال : * ( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) * كأن العبد يقول : إلهي هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلى ، حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها ، فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك فلا تخيب رجاء هذا المسكين ، ولا ترد دعاءه واجعله أهلا لرحمتك » « 1 » . هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير وغيره بعض الأحاديث النبوية عند تفسيرهم لهذه الآية ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن مردويه عن عائشة - رضى اللَّه عنها - أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان إذا استيقظ من الليل قال « لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك . اللهم زدني علما ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب » « 2 » . وروى الترمذي عن شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة : يا أم المؤمنين ، ما كان أكثر دعاء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعائه « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » فقلت : يا رسول اللَّه ، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ؟ قال : « يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقبله بين إصبعين من أصابع اللَّه فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ » فتلا معاذ - أحد رجال سند هذا الحديث - * ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ) * . وعن أنس - رضى اللَّه عنه - قال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كثيرا ما يقول : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قلنا : يا رسول اللَّه قد آمنا بك ، وصدقنا بما جئت به ، أفيخاف علينا ؟ قال : نعم ، إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللَّه يقلبها تبارك - وتعالى - « 3 » . ثم حكى - سبحانه - ضراعة أخرى تضرع بها المؤمنون إلى خالقهم فقال : * ( رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه ) * . أي : يا ربنا إنك جامع الناس : محسنهم ومسيئهم ، مؤمنهم وكافرهم . ليوم لا شك في وقوعه وحصوله وهو يوم الحساب والجزاء ، لتجازى الذين أساؤا بما عملوا وتجازى الذين أحسنوا بالحسنى . فأنت - سبحانك - لم تخلق الخلق عبثا ، ولن تتركهم سدى ، وإنما خلقتهم لرسالة

--> ( 1 ) التفسير الكبير الفخر الرازي ج 7 ص 195 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 348 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 3 ص 20 .