سيد محمد طنطاوي
356
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا ، وقال : والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو اللَّه . . . فذهب فنحاص إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال يا محمد : أبصر ما صنع بي صاحبك . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : يا رسول اللَّه . إن عدو اللَّه قال قولا عظيما . يزعم أن اللَّه فقير وأنهم عنه أغنياء . فلما قال ذلك غضبت للَّه مما قال فضربت وجهه . فجحد فنحاص ذلك وقال : ما قلت ذلك . فأنزل اللَّه فيما قال فنحاص : * ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا . . . ) * « 1 » . والمعنى : لقد سمع اللَّه - تعالى - قول أولئك اليهود الذين نطقوا بالزور والفحش فزعموا أن اللَّه - تعالى - فقير وهم أغنياء . والمقصود من هذا السمع لازمه وهو العلم والإحاطة بما يقولون من قبائح ، ثم محاسنهم على ما تفوهوا به من أقوال ، وما ارتكبوه من أعمال ، ومعاقبتهم على جرائمهم بالعقاب المهين الذين يستحقونه . وقوله * ( سَنَكْتُبُ ما قالُوا ، وقَتْلَهُمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) * أي سنسجل عليهم في صحائف أعمالهم قولهم هذا ، كما سنسجل عليهم قتلهم أنبياء اللَّه بغير حق ، فالإسناد مجازى والكتابة حقيقية . أو المعنى : سنحفظه في علمنا ولا نهمله ، وسنعاقبهم بما يستحقون من عقوبات ، فيكون الإسناد حقيقة والكتابة مجاز . والسين للتأكيد ، أي لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته ، بل سنسجله عليهم ونعاقبهم عليه عقابا أليما بسبب أقوالهم القبيحة ، وأعمالهم المنكرة . وقد قرن - سبحانه - قولهم المنكر هذا ، يفعل شنيع من أفعال أسلافهم ، وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وذلك لإثبات أصالتهم في الشر ، واستهانتهم بالحقوق الدينية ، وللتنبيه على أن قولهم هذا ليس أول جريمة ارتكبوها ، ومعصية استباحوها ، فقد سبق لأسلافهم أن قتلوا الأنبياء بغير حق ، وللإشعار بأن هاتين الجريمتين من نوع واحد ، وهو التجرؤ على اللَّه - تعالى - ، فقتل الأنبياء هو تعد على أمناء اللَّه في الأرض الذين اختارهم لتبليغ رسالاته ، وقولهم * ( إِنَّ اللَّه فَقِيرٌ ) *
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 434 .