سيد محمد طنطاوي

357

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهو تطاول على ذات اللَّه ، وكذب عليه ، ووصف له بما لا يليق به - سبحانه - وبهذا كله يكونون قد عتوا عتوا كبيرا ، وضلوا ضلالا بعيدا . وأضاف - سبحانه - القتل إلى المعاصرين للعهد النبوي من اليهود ، مع أنه حدث من أسلافهم لأن هؤلاء المعاصرين كانوا راضين بفعل أسلافهم ولم ينكروه وإن لم يكونوا قد باشروه ، ومن رضى بجريمة قد فعلها غيره فكأنما قد فعلها هو . وفي الحديث الشريف : إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها . ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها . ووصف - سبحانه - قتلهم للأنبياء بأنه * ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) * مع أن هذا الإجرام لا يكون بحق أبدا ، للإشارة إلى شناعة أفعالهم ، وضخامة شرورهم ، وأنهم لخبث نفوسهم ، وقسوة قلوبهم لا يبالون أكان فعلهم في موضعهم أم في غير موضعه . ثم صرح - سبحانه بالعقوبة بعد أن كنى عنها فقال : * ( ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) * أي : سنجازيهم بما فعلوا ، ونلقى بهم في جهنم ، مخاطبين إياهم بقولنا : ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم بها تكذبون . ففي الآية الكريمة إيجاز بالحذف دل عليه سياق الكلام . والذوق حقيقته إدراك المطعومات ، والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه ، والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم ، والاستهزاء بهم كما في قوله - تعالى - فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . ثم صرح - سبحانه - بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوقوعهم في العذاب المحرق فقال : * ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * . أي : ذلك العذاب الشديد الذي حاق بكم - أيها اليهود - بسبب ما قدمته أيديكم من عمل سىء ، وما نطقت به أفواهكم من قول منكر ، فقد اقتضت حكمته وعدالته ألا يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه - سبحانه - لا يظلم عباده مثقال ذرة . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد . والمراد بالأيدي الأنفس ، والتعبير بالأيدي عن الأنفس من قبيل التعبير بالجزء عن الكل . وخصت الأيدي بالذكر ، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته ، ولأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدي ، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به والاتصال بذاته . قال الآلوسي ما ملخصه :