سيد محمد طنطاوي

348

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : لا ينبغي لك يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين في الكفر ، فإنهم لن يضروا أوليائي بشيء من الضرر ، ولأن كفرهم ليس مراغمة للَّه حتى تحزن ، وإنما هو بإرادته ، لأنه أراد ألا يكون لهم حظ أو نصيب من الخير في الآخرة بسبب استحبابهم العمى على الهدى ، ولهم مع هذا الحرمان من الخير في الآخرة * ( عَذابٌ عَظِيمٌ ) * لا يعلم مقدار آلامه وشدته إلا اللَّه تعالى . قال صاحب الكشاف : « فإن قلت : هلا قيل : لا يجعل اللَّه لهم حظا في الآخرة ، وأي فائدة في ذكر الإرادة ؟ قلت : فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر ، تنبيها على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ، حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم » « 1 » . ثم أكد سبحانه هذا الحكم وقرره فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه شَيْئاً ، ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . والاشتراء في الآية الكريمة بمعنى الاستبدال على سبيل الاستعارة التمثيلية فقد شبه - سبحانه - الكافر الذي يترك الحق الواضح الذي قامت الأدلة على صحته ويختار بدله الضلال الذي قامت الأدلة على بطلانه ، بمن يكون في يده سلعة ثمينة جيدة فيتركها ويأخذ في مقابلها سلعة رديئة فاسدة . والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان ، لن يضروا دين اللَّه ولا رسوله ولا أولياءه بشيء من الضرر ، وإنما يضرون بفعلهم هذا أنفسهم ضررا بليغا ولهم في الآخرة عذاب مؤلم شديد الإيلام ، بسبب إيثارهم الغي على الرشد ، والكفر على الإيمان ، والشر على الخير . ثم بين سبحانه أن ما يتمتع به الأشرار في الدنيا من متع إنما هو استدراج لهم ، فقال تعالى * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ) * . وقوله * ( نُمْلِي لَهُمْ ) * من الإملاء وهو الإمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه . يقال : أملى فلان لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء . . ويطلق الإملاء على طول المدة ورغد العيش . والمعنى : * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ ) * ، بتطويل أعمارهم ، وبإعطائهم الكثير من وسائل العيش الرغيد هو ، * ( خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ) * كلا . بل هو سبب للمزيد من عذابهم ، لأننا * ( إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ) * بكثرة ارتكابهم للمعاصي * ( ولَهُمْ ) * في الآخرة * ( عَذابٌ مُهِينٌ ) * أي عذاب ينالهم بسببه الذل الذي ليس بعده ذل والهوان الذي يتصاغر معه كل هوان .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 341 .