سيد محمد طنطاوي

347

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الأسباب التي تؤدى إليه ، كأن يظن صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن كثرة الضالين ستؤدى إلى انتصارهم على المؤمنين . وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال : * ( يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) * يقعون فيه سريعا ، ويرغبون فيه أشد رغبة . وهم الذين نافقوا من المتخلفين . وقيل : هم قوم ارتدوا عن الإسلام . فإن قلت : فما معنى قوله * ( ولا يَحْزُنْكَ ) * ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد ؟ قلت : معناه : لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك » « 1 » . ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف « في » دون حرف « إلى » الشائع تعديتها بها كما في قوله - تعالى - وسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . وقوله * ( إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه شَيْئاً ) * تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم في الكفر أي : لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين يسارعون في الكفر وينتقلون فيه من دركة إلى دركة أقبح من سابقتها ، فإنهم مهما تمادوا في كفرهم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم ، فإنهم لن يضروا دين اللَّه أو أولياءه بشيء من الضرر حتى ولو كان ضررا يسيرا . ففي الكلام حذف مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء اللَّه شيئا . وفي هذا الحذف تشريف للمؤمنين الصادقين ، وإشعار بأن مضارتهم بمنزلة مضارته - سبحانه - وفي الحديث القدسي : « من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب » . ولقد كان النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بمقتضى طبيعته البشرية ، وغيرته على دين اللَّه - تعالى - يحزن لإعراض المعرضين عن الحق الذي جاء به ، ولقد حكى القرآن ذلك في كثير من آياته ، ومنه وله - تعالى - فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ « 2 » وقوله - تعالى - فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً « 3 » . فأراد - سبحانه - في هذه الآية الكريمة وأمثالها أن يزيل من نفس رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هذا الحزن الذي نتج عن كفر الكافرين ، وأن يطمئنه إلى أن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين الصادقين . وقوله * ( يُرِيدُ اللَّه أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ ) * استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن بين - سبحانه - عدم إضرارهم لأوليائه في الدنيا .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 341 . ( 2 ) سورة فاطر الآية 8 . ( 3 ) سورة الكهف الآية 6 .