سيد محمد طنطاوي
341
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لما عزم على الانصراف إلى مكة في أعقاب غزوة أحد نادى : يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت . فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لعمر : قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء اللَّه . فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران ، فألقى اللَّه الرعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع . فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له : يا نعيم ، إني وعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر . وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ، ونشرب فيه اللبن . وقد بدا لي أن أرجع . ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا ، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل . فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأي . أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد . فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم . فلما رأى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ذلك قال : « والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي » . ثم خرج صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في جمع من أصحابه ، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى - وهي ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام - ولم يلق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه أحدا من المشركين . ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبا ، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين . أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران « 1 » . . . وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكة جماعة من بنى عبد القيس ، وقد قال لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عندما أزمع العودة إلى مكة بعد أن قذف اللَّه الرعب في قلبه من لقاء المسلمين . وعلى أية حال ففي سبب نزول هذه الآية والتي قبلها أقوال أخرى للمفسرين اكتفينا بما ذكرناه خشية الإطالة . . وقوله * ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ) * بدل من قوله * ( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّه والرَّسُولِ ) * أو صفة له . أو في محل نصب على المدح أي أمدح الذين قال لهم الناس . . . إلخ . والمراد في الموصول في الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم تمنعهم الجراح عن الخروج للقتال ، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن الناس قد جمعوا لكم .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 99 .