سيد محمد طنطاوي
342
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد من الناس الأول وهو قوله * ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ) * جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود . قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قيل « الناس » إن كان نعيم هو المثبط وحده ؟ قلت : قيل ذلك لأنه من جنس الناس كما يقال : فلان يركب الخيل ، ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد وبرد فرد . أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ، ويصلون جناح كلامه ، ويثبطون مثل تثبيطه « 1 » . والمراد من الناس الثاني وهو قوله : * ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ) * أبو سفيان ومن معه . فأل فيهما للعهد ، والناس الثاني غير الأول . وقوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء المثبطين : * ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ) * أي إن أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم ، فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم . وحذف مفعول * ( جَمَعُوا ) * فلم يقل : جمعوا جيشا كبيرا أو جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من رجال وسلاح وأموال ، ولكن هذا القول الذي صدر من هؤلاء المثبطين ، لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون في جهادهم وفي اعتمادهم على خالقهم ، بل كانوا كما أخبر اللَّه تعالى - عنهم * ( فَزادَهُمْ إِيماناً وقالُوا حَسْبُنَا اللَّه ونِعْمَ الْوَكِيلُ ) * . أي أن هذا القول الذي قاله المثبطون ، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، ويقينا على يقينهم ، وثباتا على ثباتهم ، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة واطمئنان : * ( حَسْبُنَا اللَّه ) * أي كافينا اللَّه أمر أعدائنا * ( ونِعْمَ الْوَكِيلُ ) * أي نعم النصير خالقنا - عز وجل - فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا . وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم ، وشدة ثقتهم في نصر اللَّه - تعالى - لهم ، مهما كثر عدد أعدائهم ، ومهما تعددت مظاهر قوتهم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف زادهم نعيم أو مقولة إيمانا ؟ قلت : لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد ، وأظهروا حمية الإسلام ، كان ذلك أثبت ليقينهم ، وأقوى لاعتقادهم ، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج . ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة ، والطاعات من جملة الإيمان ، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل . وعن ابن عمر : قلنا يا رسول اللَّه : إن الإيمان يزيد وينقص ؟ قال : « نعم . يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار » . وعن عمر - رضى اللَّه عنه - أنه كان يأخذ بيد الرجل
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 441 .