سيد محمد طنطاوي
338
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) * معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون . أو هو حال من الضمير في * ( فَرِحِينَ ) * بتقدير وهم يستبشرون . . . وأصل الاستبشار : طلب البشارة وهو الخبر السار الذي تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد هنا السرور استعمالا للفظ في لازم معناه . أي : أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم اللَّه من فضله من شرف الشهادة ، ومن الفوز برضا اللَّه ، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة ، لأن الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا اللَّه وكرامته ، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها . فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم في الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد ، لأنهم ما زالوا على قيد الحياة . وفي هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها اللَّه - تعالى - من الكشف والصفاء ما جعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم في الدنيا . وقيل : إن معنى * ( لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ) * لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم . وقوله * ( مِنْ خَلْفِهِمْ ) * متعلق بمحذوف حال من فاعل * ( يَلْحَقُوا ) * أي لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا . أو متعلق بقوله * ( يَلْحَقُوا ) * ذاته على معنى أنهم قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم . وقوله * ( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * بدل اشتمال من قوله * ( بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ) * مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم . والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم في الدنيا من رفقائهم المجاهدين ، وهو أنهم لا خوف عليهم في المستقبل ولا هم يحزنون على ما تركوه في الدنيا ، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم للدنيا وعند ما يبعثون يوم القيامة . ونفى عنهم الخوف والحزن ، لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل . والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي . فبين - سبحانه - أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من متاع الدنيا . وقوله * ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ وأَنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) * استئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق بذواتهم . بعد أن بين - سبحانه - سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم . والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .