سيد محمد طنطاوي
339
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كما أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بسبب ما أنعم اللَّه به عليهم من نعم جزيلة وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة الكرامة ، وسمو المنزلة . وهذا يدل على أن هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط . وإنما يهتمون أيضا بأحوال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا ، وفي ذلك ما فيه من صفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم ، حيث أحبوا الخير لغيرهم كما أحبوه لأنفسهم ، بل إن تقديم استبشارهم بحال إخوانهم على استبشارهم بما يتعلق بأنفسهم ليشعر بأن اهتمامهم بحال إخوانهم أشد من اهتمامهم بحال أنفسهم . ويرى بعضهم أن الضمير في قوله * ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ) * يعود على الذين لم يلحقوا بهم فتكون جملة * ( يَسْتَبْشِرُونَ ) * حالا من الذين لم يلحقوا بهم . وعليه يكون المعنى : أن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا حزن ، فهم مستبشرون بنعمة من اللَّه وفضل . . « . وقوله * ( وأَنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) * معطوف على * ( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ ) * ، وهذا على قراءة الجمهور بفتح همزة أن على معنى وبأن . والتقدير : يستبشرون بنعمة من اللَّه وفضل وبأن اللَّه - تعالى - لا يضيع أجر المؤمنين ، وإنما سيعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم . وقرأ الكسائي « وإن اللَّه لا يضيع أجر المؤمنين » ، بكسر همزة إن على الاستئناف والمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مؤمن يخاف مقام ربه وينهى نفسه عن الهوى ، ويجاهد في سبيل إعلاء كلمة اللَّه فإن اللَّه - تعالى - لا يضيع شيئا من أجره ، بل يعطيه من الجزاء الحسن - بفضله وإحسانه - أكثر مما يستحق . ثم مدح - سبحانه - المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن الاستجابة لأمر رسولهم صلى اللَّه عليه وسلَّم فقال - تعالى - : * ( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّه والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) * . قال الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أن اللَّه - تعالى - مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما : بغزوة حمراء الأسد ، والثانية : بغزوة بدر الصغرى ، وكلتاهما متصلة بغزوة أحد . أما غزوة حمراء الأسد فهي المرادة من هذه الآية ، فإن الأصح في سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ، ندموا وقالوا : إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع . فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة .