سيد محمد طنطاوي

337

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الرب - تعالى - إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون . قال : يا رب فأبلغ من ورائي فأنزل اللَّه - تعالى - * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَمْواتاً ) * . . . الآية . قال القرطبي - بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما - ما ملخصه : « فقد أخبر اللَّه - تعالى - في هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون . والذي عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققة . ثم منهم من يقول : ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون ، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون . وصار قوم إلى أن هذا مجاز ، والمعنى أنهم في حكم اللَّه مستحقون للتنعم في الجنة . وقال آخرون أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون . وهذا هو الصحيح من الأقوال ، لأن ما صح به النقل فهو الواقع . وحديث ابن عباس - الذي سقناه قبل قليل - نص يرفع الخلاف » « 1 » . والذي تطمئن إليه النفس : أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية خاصة تجعلهم يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس ، وهي أنهم في حياة سارة ، ونعيم لذيذ ، ورزق حسن عند ربهم . وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال في غيرهم : أموات ، وإن كان المعنى اللغوي للموت - بمعنى مفارقة الروح للجسد في ظاهر الأمر - حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى . إلا أن هذه الحياة البرزخية التي أخبر اللَّه بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها اللَّه - تعالى - ولا ندرك حقيقتها ، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحي ، فقد قال - تعالى - في آية أخرى : ولا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّه أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ ولكِنْ لا تَشْعُرُونَ أي ولكن لا تحسون ولا تدركون حال هؤلاء الذين قتلوا في سبيل اللَّه بمشاعركم وحواسكم ، لأنها من شؤون الغيب التي لا طريق للعلم بها إلا بالوحي . ثم بين - سبحانه - ما هم فيه من مسرة وحبور فقال : * ( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * أي فرحين فرحا عظيما بعد انتقالهم من الدنيا ، بما أعطاهم اللَّه في حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة التي من بينها الثواب العظيم ، والنعيم الدائم ، والسعادة التي ليس بعدها سعادة . وقوله * ( فَرِحِينَ ) * يصح أن يكون حالا من الضمير في * ( يُرْزَقُونَ ) * أو من الضمير في « أحياء » وقوله * ( مِنْ فَضْلِه ) * متعلق بآتاهم . و * ( مِنْ ) * يصح أن تكون للسببية أي الذي آتاهم متسبب عن فضله . أو لابتداء الغاية وقوله

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 268 .