سيد محمد طنطاوي

336

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والحسبان : لظن ، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن ، أي أنهاكم عن أن تظنوا أنهم أموات ، ونون التوكيد في قوله « ولا تحسبن » لتأكيد هذا النهى . أي : لا تحسبن أيها الرسول الكريم ، أو أيها المؤمن أن الذين قتلوا في سبيل اللَّه ، من أجل إعلان كلمته ، لا تحسبنهم أمواتا لا يحسون شيئا ولا يلتذون ولا يتنعمون ، بل هم أحياء عند ربهم ، يرزقون رزق الأحياء ، ويتنعمون بألوان النعم التي أسبغها اللَّه عليهم ، جزاء إخلاصهم وجهادهم وبذلهم أنفسهم في سبيل اللَّه . وقوله * ( الَّذِينَ ) * مفعول أول لقوله : * ( تَحْسَبَنَّ ) * وقوله * ( أَمْواتاً ) * مفعوله الثاني وقوله * ( أَحْياءٌ ) * خبر لمبتدأ محذوف أي بل هم أحياء . وقوله * ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ المقدر أو صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى : يحيون عند ربهم . والمراد بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف ، أي هم أحياء مقربون عنده ، قد خصهم بالمنازل الرفيعة ، والدرجات العالية ، وليس المراد بها القرب المكاني لاستحالة ذلك في حق اللَّه - تعالى - . وقوله * ( يُرْزَقُونَ ) * صفة لقوله * ( أَحْياءٌ ) * وحال من الضمير فيه أي يحيون مرزوقين . هذا وقد وردت أحاديث متعددة تصرح بأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت في شهداء أحد ، ويدخل في حكمهم كل شهيد في سبيل اللَّه ، ومن هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل اللَّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش . فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عند الحرب . فقال اللَّه - تعالى - : « أنا أبلغهم عنكم . قال : فأنزل اللَّه هؤلاء الآيات * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَمْواتاً ) * . . . إلخ الآيات . وأخرج الترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد اللَّه قال : لقيني رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : « يا جابر مالي أراك منكسا مهتما » ؟ قلت يا رسول اللَّه استشهد أبى - في أحد - وترك عيالا وعليه دين . فقال : ألا أبشرك بما لقى اللَّه - عز وجل - به أباك ؟ قلت : بلى يا رسول اللَّه . قال : إن اللَّه أحيا أباك وكلمه كفاحا - أي مواجهة ليس بينهما حجاب - وما كلم أحدا قط إلا من وراء حجاب ، فقال له يا عبدي تمن أعطك . قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية . فقال