سيد محمد طنطاوي
326
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويصح أن يكون معنى قوله * ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) * أنه بشر مثل سائر البشر إلا أن اللَّه - تعالى - وهبه النبوة والرسالة ، ليخرج الناس - العربي منهم وغير العربي - من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ، وجعل رسالته عامة فقال : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ . وخص اللَّه - تعالى - منته وفضله بالمؤمنين ، لأنهم هم الذين انتفعوا بنعمة الإسلام ، الذي لن يقبل اللَّه دينا سواه والذي جاء به محمد - عليه الصلاة والسلام . والجملة الكريمة جواب قسم محذوف والتقدير : واللَّه * ( لَقَدْ مَنَّ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) * . ثم بين - سبحانه - مظاهر هذه المنة والفضل ببعثة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ ) * والتلاوة : هي القراءة المتتابعة المرتلة التي يكون بعضها تلو بعض . والتزكية : هي التطهير والتنقية . أي لقد أعطى اللَّه - تعالى - المؤمنين من النعم ما أعطى ، لأنه قد بعث فيهم رسولا من جنسهم يقرأ عليهم آيات اللَّه التي أنزلها لهدايتهم وسعادتهم ، * ( ويُزَكِّيهِمْ ) * أي يطهرهم من الكفر والذنوب . أو يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كانوا عليه من دنس الجاهلية والاعتقادات الفاسدة . * ( ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ) * بأن يبين لهم المقاصد التي من أجلها نزل القرآن الكريم ، ويشرح لهم أحكامه ، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ومعانيه التي قد تخفى على مداركهم . فتعليم الكتاب غير تلاوته : لأن تلاوته قراءته مرتلا مفهوما أما تعليمه فمعناه بيان أحكامه وما اشتمل عليه من تشريعات وآداب . ويعلمهم كذلك * ( الْحِكْمَةَ ) * أي الفقه في الدين ومعرفة أسراره وحكمه ومقاصده التي يكمل بها العلم بالكتاب . وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على عدة صفات من الصفات الجليلة التي منحها اللَّه تعالى - لنبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . ثم بين - سبحانه - حال الناس قبل بعثة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال * ( وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * . أي : إن حال الناس وخصوصا العرب أنهم كانوا قبل بعثة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم في ضلال بين واضح لا يخفى أمره على أحد من ذوى العقول السليمة والأذواق المستقيمة .