سيد محمد طنطاوي

327

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام الذي جاء به صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من عند ربه في ضلال واضح ، وظلام دامس ، فهم من ناحية العبادة كانوا يشركون مع اللَّه آلهة أخرى ، ومن ناحية الأخلاق تفشت فيهم الرذائل حتى صارت شيئا مألوفا ، ومن ناحية المعاملات كانوا لا يلتزمون الحق والعدل في كثير من شؤونهم . والخلاصة أن الضلال والجهل وغير ذلك من الرذائل ، كانت قد استشرت في العالم بصورة لا تخفى على عاقل . فكان من رحمة اللَّه بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لكي يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور الهداية والاستقامة والإيمان . ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد فحكت ما قاله ضعاف الإيمان في أعقابها ، وردت عليهم بما يبطل مقالتهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 165 إلى 168 ] أَولَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 165 ) وما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّه ولِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( 166 ) ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ واللَّه أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ( 167 ) الَّذِينَ قالُوا لإِخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) فقوله تعالى : * ( أَولَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ) * إلخ كلام مستأنف مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة ، إثر إبطال بعض آخر تقدم الحديث عنه من