سيد محمد طنطاوي

320

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّه فَلا غالِبَ لَكُمْ . وإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِه ) * ؟ والمراد بالنصر هنا العون الذي يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم . والمراد بالخذلان ترك العون . والمخذول ، هو المتروك الذي لا يعبأ به . يقال : خذلت الوحشية إذا أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها . والمعنى : إن يرد اللَّه - تعالى - نصركم كما نصركم يوم بدر - * ( فَلا غالِبَ لَكُمْ ) * أي فإنه لا يوجد قوم يستطيعون قهركم ، لأن اللَّه معكم ، ومن كان اللَّه معه فلن يغلبه أحد من الخلق . وإن يرد أن يخذلكم ويمنع عنكم عونه كما حدث لكم يوم أحد ، فلن يستطيع أحد أن ينصركم من بعد خذلانه ، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة اللَّه - تعالى - ومشيئته . والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي ، أي لا أحد يستطيع نصركم إن أراد اللَّه خذلانكم ، وهو جواب للشرط الثاني . وفيه لطف بالمؤمنين ، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرح لهم بأنهم لا ناصر لهم في الثاني ، بل أتى به في صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا ليكون أبلغ ، إذ في مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه لأنظار المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة اللَّه - تعالى - ولا شك أنهم لن يجدوه ، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن اللَّه وحده هو الكبير المتعال ، وأنه لا ناصر لهم سواه . وقوله * ( وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) * أي وعلى اللَّه وحده لا على أحد سواه . فليجعل المؤمنون اعتمادهم واتكالهم عليه ، لأن الذين يعتمدون على أن قوة سوى اللَّه - تعالى - لن يصلوا إلى العاقبة الطيبة التي أعدها - سبحانه - لعباده المتقين . فالآية الكريمة كلام مستأنف ، وقد سيق بطرق تلوين الخطاب ، تشريفا للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في طاعته التي تؤدى إلى النصر ، وتحذيرا لهم من معصيته التي تفضى إلى الخسران والخذلان . ثم نهى - سبحانه - عن الغلول ونزه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن ذلك فقال - تعالى - * ( وما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ، ومَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * وقوله * ( يَغُلَّ ) * من الغلول وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها . يقال : غل فلان شيئا من المغنم يغل غلولا إذا أخذه خفية . ويقال : أغل الجازر أو السالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية . وأصله من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر خفية . والغل : الحقد الكامن في الصدر وسميت هذه الخيانة غلولا ، لأنها تجرى في المال على خفاء من وجه لا يحل .