سيد محمد طنطاوي

321

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم ، لأن الخيانة تتنافى مع مقام النبوة الذي هو أشرف المقامات * ( ومَنْ يَغْلُلْ ) * أي ومن يرتكب شيئا من ذلك ، * ( يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * أي يأت بما غله يوم القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر ، ليؤخذ بإثم غلوله وخيانته . وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال : « نزلت هذه الآية » * ( وما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) * في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر . فقال بعض الناس : لعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم أخذها ، وأكثروا في ذلك فأنزل اللَّه الآية « . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا أن المنافقين اتهموا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بشيء فقد ، فأنزل اللَّه - تعالى - * ( وما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) * . قال ابن كثير - بعد أن ساق هاتين الروايتين - وهذا تنزيه له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسمة الغنيمة وغير ذلك « 1 » . وفي ورود هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن غزوة أحد ، حكمة عظيمة ، وتأديب من اللَّه للمؤمنين ، وتحذير لهم من الغلول ، ذلك أن الرماة الذين تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد دفعهم لذلك خشيتهم من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم ، ففعلوا ما فعلوا ، ولقد روى أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال للرماة : « أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم » « 2 » . وقد نهى صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كثير من الأحاديث عن الغلول ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : « قام فينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ذات يوم ، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ، ثم قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول اللَّه أغثني ، فأقول : لا أملك لك من اللَّه شيئا قد أبلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول : يا رسول اللَّه أغثني فأقول : لا أملك لك من اللَّه شيئا قد أبلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول اللَّه أغثني فأقول : لا أملك لك من اللَّه شيئا قد أبلغتك . لا ألفين أحكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول : يا رسول اللَّه أغثني فأقول : لا أملك من اللَّه شيئا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق - أي ثياب - فيقول يا رسول اللَّه أغثني فأقول : لا أملك لك من اللَّه شيئا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت - أي ذهب وفضة - فيقول : يا رسول اللَّه أغثني فأقول : لا أملك لك من اللَّه شيئا قد أبلغتك » .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ص 421 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 109 .