سيد محمد طنطاوي
316
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والباء هنا للسببية ، و « ما » مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة « لنت » من لان يلين لينا وليانا بمعنى الرفق وسعة الخلق و « الفظ » الغليظ الجافي في المعاشرة قولا وفعلا . وأصل الفظ - كما يقول الراغب - ماء الكرش وهو مكروه شربه بمقتضى الطبع ولا يشرب إلا في أشد حالات الضرورة . وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة ، وتنشأ عن هذه الغلظة الفظاظة والجفاء . والمعنى : فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك اللَّه إياها يا محمد كنت لينا مع أتباعك في كل أحوالك ، ولكن بدون إفراط أو تفريط ، فقد وقفت من أخطائهم التي وقعوا فيها في غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم فلم تعنفهم على ما وقع منهم وأنت تراهم قد استغرقهم الحزن والهم . . بل كنت لينا رفيقا معهم . وهكذا القائد الحكيم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية ، لأن كثرة اللوم والتعنيف قد تولد اليأس ، وإنما يلتفت إلى الماضي ليأخذ منه العبرة والعظة لحاضره ومستقبله ويغرس في نفوس الذين معه ما يحفز همتهم ويشحذ عزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة واطمئنان وبصيرة مستنيرة . وإن الشدة في غير موضعها تفرق ولا تجمع وتضعف ولا تقوى ، ولذا قال - تعالى - * ( ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) * . أي ولو كنت - يا محمد - كريه الخلق ، خشن الجانب ، جافيا في أقوالك وأفعالك ، قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك . . ولو كنت كذلك * ( لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) * أي لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك . فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يكون فظا أو غليظا ، لأن « لو » تدل على نفى الجواب لنفى الشرط . أي أنك لست - يا محمد - فظا ولا غليظ القلب ولذلك التف أصحابك من حولك يفتدونك بأرواحهم وبكل مرتخص وغال ، ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب الأشياء إليهم . وقال - سبحانه - * ( ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) * لينفى عنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم القسوة والغلظة في الظاهر والباطن : إذ القسوة الظاهرية تبدو أكثر ما تبدو في الفظاظة التي هي خشونة الجانب ، وجفاء الطبع ، والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب ، وغلظ النفس وعدم تأثرها بما يصيب غيرها . والرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان مبرأ من كل ذلك ، ويكفى أن اللَّه - تعالى - قد قال في وصفه :