سيد محمد طنطاوي

317

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْه ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 1 » . وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص : إني أرى صفة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في الكتب المتقدمة . إنه ليس بفظ ، ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، « 2 » . ولقد كان من أخلاقه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مداراة الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيع فعن عائشة رضى اللَّه عنها ، قالت : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن اللَّه أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض » « 3 » . ثم أمر اللَّه تعالى ، نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، بما يترتب على الرفق والبشاشة فقال : * ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ، واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) * . فالفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه يترتب على لين جانبك مع أصحابك ، ورحمتك بهم ، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء تتعلق بشخصك أو ما وقعوا فيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم في أحد ، فقد كانت زلة منهم وقد أدبهم اللَّه عليها . وأن تلتمس من اللَّه تعالى ، أن يغفر لهم ما فرط منهم ، إذ في إظهارك ذلك لهم تأكيد لعفوك عنهم . وتشجيع لهم على الطاعة والاستجابة لأمرك . وأن تشاورهم في الأمر أي في أمر الحرب ونحوه مما تجرى فيه المشاورة في العادة من الأمور التي تهم الأمة . وقد جاءت هذه الأوامر للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، على أحسن نسق ، وأحكم ترتيب ، لأن اللَّه تعالى أمره أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه ، فإذا ما انتهوا إلى هذا المقام ، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين اللَّه تعالى ، لتنزاح عنهم التبعات ، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة ، أمره بأن يشاورهم في الأمر لأنهم قد أصبحوا أهلا لهذه المشاورة . ولقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم المشورة وعن معناها ، وعن فوائدها ، فقد قال القرطبي ما ملخصه : والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشوّرتها ، إذا علمت خبرها وحالها يجرى أو غيره . . وقد يكون من قولهم : شرت العسل واشترته ، إذا أخذته من موضعه .

--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 128 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 420 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 420 .