سيد محمد طنطاوي

311

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقدره ، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء اللَّه وقدره لعلموا أن كل شيء عنده بمقدار ، وأن العاقل هو الذي يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك النتائج اللَّه يسيرها كيف يشاء . وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم ، وخبث طويتهم ، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد ، وعن السعي في الأرض من أجل طلب الرزق الذي أحله اللَّه . والنهى في قوله - تعالى - * ( لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ) * يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين : مقام الإيمان ومقام الكفران ، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين ، بعد أن رفعه اللَّه بالإيمان إلى أعلى عليين ، وفي هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير . واللام في قوله * ( لإِخْوانِهِمْ ) * يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال : قوله : * ( وقالُوا لإِخْوانِهِمْ ) * أي لأجل إخوانهم ، كقوله - تعالى - وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْه « 1 » . ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب ، ويكون المعنى : لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء : لو كان أولئك الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل . قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل إن قوله * ( قالُوا لإِخْوانِهِمْ ) * يدل على الماضي ، وقوله * ( إِذا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ ) * يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ فالجواب من وجوه : أولها : أن قوله * ( قالُوا ) * تقديره : يقولون ، فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا . . وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي للتأكيد وللإشعار بأن جدهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية ، وصار بسبب ذلك الجد ينظر إلى هذا المستقبل كالكائن الواقع . وثانيها : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية . والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول : قالوا . وثالثها : قال « قطرب » كلمة « إذ » و « وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول ، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 430 ( 2 ) تفسير الفخر الرازي - بتصرف وتلخيص - ج 9 ص 54 .