سيد محمد طنطاوي

312

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( أَوْ كانُوا غُزًّى ) * معطوف على * ( ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ ) * من عطف الخاص بعد العام ، اعتناء به لأن الغزو هو المقصود في هذا المقام وما قبله توطئة له . قالوا : على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب في الأرض بناء على أن المراد بالضرب في الأرض السفر البعيد ، فيكون على هذا بين الضرب في الأرض وبين الغزو خصوص وعموم من وجه . وإنما لم يقل أو غزوا : للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة ، أو لانقضاء ذلك ، أي كانوا غزاة فيما مضى . وقوله * ( لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ) * في محل نصب مقول القول . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال : * ( لِيَجْعَلَ اللَّه ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) * . والحسرة - كما يقول الراغب - هي غم الإنسان على ما فاته ، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت قواه - أي انسلخت - من فرط الغم ، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط » « 1 » . فالحسرة هي الهم المضنى الذي يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد ، واللام في قوله * ( لِيَجْعَلَ ) * هي التي تسمى بلام العاقبة ، وهي متعلقة بقالوا أي قالوا ما قالوه لغرض من أغراضهم التي يتوهمون من ورائها منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول . بل سيمضون في طريق الجهاد الذي كتبه اللَّه عليهم وسيكون النصر الذي وعدهم اللَّه إياه حليفهم وبذلك يزداد الكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم . ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى : ان اللَّه - تعالى - طبع الكفار على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة في قلوبهم والغم في نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال في عقولهم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما متعلق ليجعل ؟ قلت : قالوا . أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم على أن اللام مثلها في لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وحَزَناً أو لا تكونوا بمعنى : لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله اللَّه حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم . فإن قلت : ما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه ؟ قلت : معناه أن اللَّه - تعالى - عند

--> ( 1 ) مفردات القرآن ص 18 للراغب الأصفهاني . بتصرف يسير .